الداخلة 7

الأستاذة لمينة الخطاط تكتب: الخطاط ينجا.. حين تتحول الثقة إلى قوة سياسية

الأستاذة لمينة الخطاط تكتب: الخطاط ينجا.. حين تتحول الثقة إلى قوة سياسية
ذة. لمينة أهل خطاط

بقلم: الأستاذة لمينة الخطاط 

 

 

 

 

 

 

 

 

في علم الاجتماع السياسي، لا تُقاس قوة الفاعل السياسي بعدد المناصب التي شغلها، ولا بعدد الصور التي تُنشر له، ولا بحجم الضجيج الذي يرافق اسمه في مواسم الانتخابات؛ فالقوة السياسية الحقيقية كثيرًا ما تكون أعمق من ذلك، لأنها تتشكل عبر الزمن من الثقة، والعلاقات، والحضور، والقدرة على بناء الجسور داخل المجتمع.
وهنا تحديدًا يمكن فهم انتقال شخصية سياسية واجتماعية وازنة بحجم السيد الخطاط ينجا إلى حزب الأصالة والمعاصرة. فهذا الانتقال لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تغيير في الانتماء الحزبي، وإنما باعتباره انتقالًا لجزء مهم من الرأسمال الاجتماعي والسياسي الذي راكمه الرجل داخل جهة الداخلة وادي الذهب.
فبيير بورديو، في تحليله لمفهوم الرأسمال الاجتماعي، يلفت إلى أن شبكة العلاقات والروابط التي يراكمها الفرد داخل المجتمع يمكن أن تتحول إلى مصدر حقيقي للقوة والتأثير. والسياسة، في هذا المعنى، لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة: في علاقة الإنسان بالناس، وفي حضوره بينهم، وفي مقدار الثقة التي استطاع أن يبنيها معهم.
ومن هذه الزاوية، فإن وزن الخطاط ينجا لا يمكن اختزاله في موقعه الحزبي الحالي، لأن الرصيد الذي يملكه الرجل، في نظر مؤيديه، هو رصيد اجتماعي قبل أن يكون انتخابيًا؛ رصيد تشكل من علاقات إنسانية متراكمة، ومن حضور ميداني، ومن تواصل مباشر مع مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية.
فالسياسي الذي يظل قريبًا من الناس، ويستمع إلى مشاكلهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويعاملهم بتواضع واحترام، لا يبني فقط شبكة من العلاقات، وإنما يبني ما يمكن تسميته في علم الاجتماع السياسي رأس مال من الثقة.
والثقة ليست تفصيلًا هامشيًا في الحياة السياسية. إنها إحدى أهم العملات التي تُتداول داخل المجتمعات. فحين يشعر المواطن أن السياسي لا يراه مجرد رقم انتخابي، وأن العلاقة معه لا تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية، فإن العلاقة تنتقل من مجرد علاقة سياسية عابرة إلى علاقة اجتماعية أكثر رسوخًا.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الخطاط ينجا، كما يراها مناصروه ومن عرفوه عن قرب: التواضع، القرب من المواطنين، سعة الصدر، حسن الاستماع، الوفاء للعلاقات، القدرة على التواصل مع مختلف الفئات، الكرم، الحضور في المناسبات الاجتماعية، ومساعدة الناس دون البحث الدائم عن المقابل السياسي المباشر.
وهذه الصفات، حين تجتمع في فاعل سياسي، لا تبقى مجرد خصال شخصية؛ بل تتحول إلى عناصر من عناصر القوة الرمزية. فالسياسي لا يكتسب الشرعية فقط من الصندوق الانتخابي، وإنما يكتسب جزءًا منها أيضًا من الصورة التي تتشكل عنه داخل المجتمع، ومن الطريقة التي ينظر بها الناس إليه، ومن مقدار الاحترام الذي يحظى به.
ومن هنا يمكن استحضار تصور ماكس فيبر للشرعية، حيث لا تقوم السلطة على الإكراه وحده، وإنما تحتاج إلى قدر من الاعتقاد بجدارتها وقبولها. وفي المجال المحلي تحديدًا، تصبح الشرعية أكثر ارتباطًا بالمعرفة المباشرة؛ فالناس يعرفون من كان حاضرًا بينهم، ومن اقترب منهم، ومن استمع إليهم، ومن ظل بعيدًا عنهم.
ولهذا فإن محاولة صناعة صورة سياسية على صفحات التواصل الاجتماعي تختلف جذريًا عن صناعة صورة سياسية داخل المجتمع. فالأولى قد تصنع ضجيجًا سريعًا، أما الثانية فتحتاج إلى سنوات.
وما يطفو اليوم على بعض الصفحات من شتم وتجريح ومناكفات ومحاولات للتقليل من قيمة الرجل، لا ينبغي أن يكون هو المقياس الحقيقي لوزنه. بل إن السوسيولوجيا السياسية تعلمنا أن الصراع على النفوذ كثيرًا ما يظهر في صورة صراع على الرموز والصور والسمعة والشرعية. وعندما يصبح اسم فاعل سياسي حاضرًا بقوة في النقاش العام، فإن ذلك يعني أنه أصبح جزءًا من معادلة الصراع على التأثير.
وفي هذا السياق، يمكن فهم شدة الهجوم عليه لا بوصفها دليلًا قاطعًا على القوة، وإنما باعتبارها مؤشرًا على أن الرجل أصبح طرفًا حاضرًا في معادلة سياسية تستحق القراءة والتحليل.
إن قوة الخطاط ينجا، بالنسبة إلى مؤيديه، لا تكمن فقط في قدرته على خوض الانتخابات، وإنما في قدرته على جمع المختلفين حول مساحة مشتركة، وعلى التواصل مع شرائح اجتماعية متعددة، وعلى الحفاظ على شبكة من العلاقات التي لا تُبنى في يوم وليلة.
وهذا ما يجعل مفهوم الرأسمال الاجتماعي أكثر أهمية في قراءة المشهد الانتخابي بجهة الداخلة وادي الذهب. فالأحزاب تستطيع أن تمنح المرشح إطارًا تنظيميًا، والحملات تستطيع أن تمنحه حضورًا إعلاميًا، لكن لا حزب يستطيع أن يمنح الإنسان تلقائيًا علاقات اجتماعية عمرها سنوات، ولا حملة انتخابية تستطيع أن تشتري ثقة تراكمت عبر الزمن.
ومن هنا، فإن انتقال الخطاط ينجا إلى حزب الأصالة والمعاصرة يمثل، من منظور سوسيولوجي، إضافة تتجاوز مجرد اسم جديد في لائحة حزبية؛ لأنه يضع داخل الحزب رصيدًا من العلاقات والخبرة والحضور والرمزية الاجتماعية.
أما الذين يحاولون اختزال الرجل في حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، فهم يخلطون بين الصورة الرقمية والصورة الاجتماعية. قد تستطيع منشورٌات كثيرة أن تصنع ضجيجًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمحو سنوات من العلاقات والتجارب والاحتكاك اليومي بالمجتمع.
والانتخابات في النهاية ليست مسابقة في عدد المنشورات، ولا في ارتفاع منسوب الشتائم، ولا في القدرة على صناعة الجدل؛ إنها لحظة اختبار حقيقية للرأسمال السياسي والاجتماعي الذي راكمه كل فاعل.
وفي جهة الداخلة وادي الذهب تحديدًا، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية مع الفعل السياسي، وحيث يعرف المواطنون الفاعلين السياسيين عن قرب، يصبح التاريخ الاجتماعي للرجل جزءًا من تاريخه السياسي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم منشورًا كُتب ضد الخطاط ينجا؟
السؤال الأهم هو: كم سنة احتاج الرجل ليبني شبكة علاقاته؟ وكم مواطنًا عرفه عن قرب؟ وكم موقفًا اجتماعيًا وسياسيًا ترك أثرًا في ذاكرة الناس؟
فهذه هي الأشياء التي لا تستطيع صفحات التواصل الاجتماعي أن تصنعها في ليلة، ولا تستطيع حملات التشويه أن تمحوها في موسم انتخابي.
إن انتقال الخطاط ينجا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بهذا المعنى، ليس مجرد انتقال من خانة حزبية إلى أخرى، وإنما هو انتقال لرصيد من الرأسمال الاجتماعي والسياسي والرمزي إلى موقع سياسي جديد.
والفيصل في كل ذلك لن يكون أصحاب الحسابات الوهمية، ولا أصحاب العناوين الصاخبة، ولا من يتقنون صناعة الخصومة خلف الشاشات؛ بل سيكون المواطن.
ففي السياسة، قد تستطيع أن ترفع صوتك فوق الجميع، لكنك لا تستطيع أن ترفع صوتك فوق إرادة الناس.
والصندوق في النهاية لا يسأل عن عدد الشتائم التي قيلت، وإنما يسأل عن شيء أكثر بساطة وعمقًا: من استطاع أن يبني الثقة؟ ومن استطاع أن يكون حاضرًا حين كان الناس في حاجة إلى حضوره؟ ومن استطاع أن يحول السياسة من موقع فوق المجتمع إلى علاقة حقيقية مع المجتمع؟
وهنا تحديدًا تكمن المعركة الحقيقية.

المصدرلمينة الخطاط
Exit mobile version