أحمد الصلاي يكتب: “الفساد الانتخابي والمحسوبية في المغرب: شهادة من قلب الصحراء”

13 فبراير 2026
{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{"transform":1,"beautify":1},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":true,"containsFTESticker":false}
admin

بقلم الأستاذ أحمد الصلاي، رئيس جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي بجهة الداخلة وادي الذهب

 

 

 

 

 

مقدمة: في رحاب الاستحقاقات الوطنية

بينما يستعد المغرب لخوض استحقاقات انتخابية حاسمة في سنة 2026، تحت شعار “تخليق الحياة العامة” وإصلاح المنظومة الانتخابية، يطل علينا سؤال جوهري من عمق الصحراء المغربية: هل نحن فعلاً ذاهبون نحو بناء نموذج ديمقراطي سليم يعكس إرادة المواطنين، أم أننا سنظل أسرى ممارسات بالية تحول الانتخابات إلى سوق للمال والمحسوبية؟

كمواطن صحراوي مغربي، ورئيس جمعية تعمل من أجل ترسيخ خيار الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية، أجد نفسي ملزماً بتقديم هذه الشهادة، لا تشكيكاً في مسارنا الوطني، بل إسهاماً في النقاش العام حول كيفية بناء مغرب قوي بوحدته ونزاهة مؤسساته.

المال السياسي: سمّ في شرايين الديمقراطية

ما يشهده المشهد الانتخابي المغربي اليوم يؤكد للأسف أن المال أصبح الفاعل الأقوى في العملية السياسية. هناك من يدفع مبالغ خيالية تصل إلى 2 مليار سنتيم لدخول قبة البرلمان أو الفوز برئاسة المجالس الترابية والإقليمية. هذه الممارسات تحول الانتخابات من استحقاق ديمقراطي إلى سوق للمزايدات، حيث يتم شراء الذمم وتبادل الأصوات مقابل المال والمنافع.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمن وصل إلى مواقع القرار عبر المال أن يكون نزيهاً في خدمة المصلحة العامة؟ إن استمرار هذه الظاهرة لا يقوض فقط أسس الديمقراطية، بل يهدد أيضاً مصداقية المؤسسات المنتخبة في أعين المواطنين البسطاء، خاصة في مناطقنا الصحراوية التي تتطلع إلى نموذج تنموي نظيف وشفاف.

توريث المناصب: آفة التدبير المحلي

الأكثر إيلاماً مما سبق هو ما نراه من ممارسات لتوريث المناصب واستغلال المال العام لخدمة المصالح العائلية. لقد تحولت بعض المجالس المنتخبة في مناطق متفرقة من المملكة، بما فيها بعض جماعات الصحراء، إلى “إقطاعيات عائلية” تتناقل فيها المناصب كالميراث، وتُوجه الصفقات العمومية إلى أقارب المنتخبين ومعارفهم، بعيداً عن مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

هذه الممارسات المشينة تستنزف المال العام الذي هو حق لجميع المواطنين، وتحوله إلى غنيمة للعائلات النافذة. إنها إهانة لكل مواطن يدفع الضرائب ويطمح إلى خدمات عمومية لائقة، وهي إهانة مضاعفة لأبناء الصحراء الذين ينتظرون طويلاً حتى تصل إليهم ثمار التنمية.

إقصاء الكفاءات: عندما يخسر الوطن

في ظل هيمنة المال والمحسوبية، تبقى الكفاءات الشابة والنساء والمواطنون المخلصون في الظل. كم من شاب صحراوي واعد يحمل أفكاراً مبتكرة وطموحات مشروعة لخدمة وطنه وجد نفسه مُقصىً لمجرد أنه لا يملك المال أو لا ينتمي إلى العائلات النافذة؟ وكم من امرأة صحراوية كفؤة مُنعت من المساهمة في تدبير الشأن المحلي لأن “اللعبة” محصورة في أيدي الرجال التقليديين؟

هذا الإقصاء الممنهج ليس ظلماً للأفراد فحسب، بل هو خسارة للوطن ككل. فالاستثمار في الكفاءات الشابة والنساء هو استثمار في مستقبل أفضل للصحراء وللمغرب بأسره. خاصة ونحن على أعتاب تفعيل نموذج الحكم الذاتي الذي يتطلب مشاركة واسعة لكل الطاقات.

رهان الحكم الذاتي وإصلاح الداخل

إن هذه الشهادة تأتي في وقت بالغ الأهمية، ففي 31 أكتوبر 2025، حقق المغرب انتصاراً دبلوماسياً كبيراً بتبني مجلس الأمن الدولي للقرار 2797، الذي شكل “مرحلة مفصلية ونقطة تحول حاسمة” في قضيتنا الوطنية. القرار أكد أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر واقعية والأكثر قابلية للتطبيق”، ودعا جميع الأطراف إلى التفاوض على أساس خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب.

وصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطابه التاريخي بهذه المناسبة، وجه نداء أخوياً صادقاً لإخواننا في مخيمات تندوف، داعياً إياهم إلى اغتنام هذه الفرصة التاريخية للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية وفي تنمية وطنهم. وأكد جلالته أن “جميع المغاربة سواسية، لا فرق بين العائدين من مخيمات تندوف وبين إخوانهم داخل أرض الوطن”.

هذه التطورات الكبرى تضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية. فالرهان اليوم هو على النسخة المحينة من خطة الحكم الذاتي، التي تهدف إلى تكريس القطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية وتكافؤ الفرص.

وهنا يأتي مدى ارتباط شهادتنا بهذه اللحظة الوطنية الفارقة:

أولاً: لا يمكننا أن ندعو ساكنة الصحراء، سواء المقيمين أو العائدين، إلى المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، إذا بقيت الممارسات الانتخابية الحالية رهينة للمال السياسي والمحسوبية. إن نجاح تجربة الجهوية المتقدمة في أقاليمنا الجنوبية يقتضي بالضرورة تخليق الحياة العامة وتوفير ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات.

ثانياً: لقد جاء في التصور المغربي للحكم الذاتي ضمان تمثيلية النساء والفئات ذات الوضعيات الخاصة في البرلمان الإقليمي، وإنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي إقليمي يعزز الشفافية والمشاركة المجتمعية. هذا التوجه النبيل يجب أن ينعكس على الممارسة الحزبية والسياسية المحلية، بأن تتاح الفرصة للشباب والكفاءات النسائية الصحراوية للمساهمة في هذا الورش الكبير.

ثالثاً: تتضمن الخطة المغربية بعداً تصالحياً متقدماً، عبر تنظيم عودة سكان المخيمات وإعادة إدماجهم. هذا النداء الملكي السامي يتطلب منا جميعاً أن نمد الجسور ونفتح الأبواب، وأن نؤكد للجميع أن الانتماء للوطن يعني المساهمة في بنائه، والمشاركة على قدم المساواة في ثرواته ومؤسساته، بعيداً عن منطق الريع والامتيازات الذي حذر منه جلالته صراحة عندما قال: “كفى من سياسة الريع والامتيازات. وكفى من الاسترزاق بالوطن”.

الوطن أم المصالح الضيقة؟

المواطن البسيط في مدن الصحراء المغربية وأريافها يتابع هذه الممارسات بحسرة. يرى أن المصلحة الوطنية تُضحى بها على مذبح المصالح الشخصية والعائلية. يرى أن المشاريع التنموية تُوجه كهدايا انتخابية لا كحقوق للمواطنين. يرى أن الصوت الانتخابي الذي يفترض أن يكون أداة للتغيير يتحول إلى سلعة تباع وتشترى.

إن هذه الشهادة ليست دعوة إلى اليأس، بل هي صرخة في وجه الممارسات الخاطئة التي تشوه صورة العمل السياسي النزيه. نحن في جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي بجهة الداخلة وادي الذهب نؤمن بأن المغرب قادر على تجاوز هذه التحديات، شريطة أن تتظافر جهود جميع الغيورين على الوطن لوضع حد لظاهرتي المال السياسي والمحسوبية.

خاتمة: نحو نموذج تنموي نظيف

إن إصلاح الحياة السياسية يبدأ من تخليق الممارسة الانتخابية، ومنح الفرصة للكفاءات الحقيقية، وضمان تمثيلية عادلة للشباب والنساء. المغرب الذي نريد يستحق نخبة سياسية نظيفة اليد، مخلصة للوطن، تعمل من أجل المواطن لا من أجل مصالحها الخاصة.

نحن في الصحراء المغربية، وبفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك، نعيش لحظة تاريخية فارقة. إن نجاح مبادرة الحكم الذاتي ليس فقط رهاناً دبلوماسياً، بل هو كذلك رهان على قدرتنا الجماعية في بناء نموذج تنموي ومؤسساتي في أقاليمنا الجنوبية، يكون مثالاً يُحتذى في الشفافية والمشاركة والعدالة المجالية. فبإصلاح الداخل نحمي المكتسبات الخارجية، وبتمكين الكفاءات الصحراوية الشابة نضمن أن تكون هذه المحطة التاريخية فاتحة خير وأمل واستقرار للجميع.

عاش المغرب، وعاشت الصحراء مغربية، والنصر لوحدتنا ولإصلاحنا الداخلي.

الاخبار العاجلة