الداخلة7
رغم الثروات البحرية الكبيرة التي تزخر بها سواحل الداخلة، تعيش ساكنتها واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا صعبًا، حيث يعاني العديد من المواطنين من البطالة المستشرية وارتفاع الأسعار بشكل مستمر، وهو ما يضاعف معاناتهم اليومية، ورغم ذلك، تظل الاحتجاجات والمطالبات بتحقيق العدالة الاجتماعية هي السمة الغالبة في المنطقة.
في الوقت الذي تُظهر فيه التقارير الرسمية، خاصة المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH)، الذي دق ناقوس الخطر والقلق بشأن تدهور مصيدة السردين بسبب الممارسات غير المستدامة، تجد ساكنة الداخلة ترى بأم أعينها ثروتها وثروة الأجيال تشفط دون حسيب ولارقيب، وتمني النفس بيوم مشرق يتم فيه السماح بولوج الثروة البحرية بشكل عادل.
فالموارد التي تزخر بها سواحل الداخلة من أسماك بأنواعها وكمياتها الناذرة في عدة أنحاء من العالم، لا تعود بالنفع على سكانها الذين يعانون من ضعف فرص العمل والبطالة، وخاصة في صفوف الشباب والنساء، في حين أن الشركات الكبرى التي تستفيد من هذه الثروات تواصل استنزافها دون تقديم مساهمة تذكر في تحسين حياة السكان المحليين أو مايصلح عليه ب”l’action sociale” الواجب توفرها من هذه الشركات وغيرها، المستفيدة من الرخص ومن الإعفاء الضريبي وغيرها من التسهيلات..
البطالة وارتفاع الأسعار: واقع مرير
وفقًا للإحصائيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، فقد سجلت جهة الداخلة وادي الذهب نسبة 10,6% من بين أعلى معدلات البطالة في المغرب، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتنمية القطاع البحري، فإن نسبة البطالة تظل مرتفعة، خصوصًا بين الشباب الذين يواجهون صعوبة في الحصول على فرص عمل مستقرة في ظل غياب سياسات محلية كفيلة بتوجيه هذه الثروات نحو تنمية مستدامة يستفيد منها “أهل الدشرة”.
أما في ما يتعلق بالأسعار، فقد شهدت الداخلة في السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف المعيشة، خاصة في المواد الأساسية كالغذاء والسكن، مما جعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للفئات الاجتماعية الهشة. وفي ظل هذا الوضع، يزداد الاحتقان الاجتماعي، ويخرج المواطنون في العديد من الاحتجاجات والمظاهرات، خاصة النساء اللواتي يرغبن في تحسين أوضاعهن الاجتماعية، ويطالبن بتوزيع الثروة بشكل أكثر عدالة عبر توفير معاش قار يحفظ لهن كرامتهمن.
احتجاجات وانتقادات موجهة للهيئات المعنية
في السياق نفسه، خرج سكان الداخلة في عدة مناسبات للاحتجاج ضد الوضع المعيشي الصعب، حيث شاركت النساء بشكل بارز في هذه الاحتجاجات أمام الولاية، مطالبات بحقهن في الاستفادة “بطاقة إنعاش”. كما لا يمكن إغفال احتجاجات ملاك القوارب المعيشية التي تعتبر ككرة ثلج لازالت تنمو وتتدحرج دون تذويب”حل”، هذه الاحتجاجات تمثل رد فعل شعبي على سياسات الصيد غير العادلة التي تضر بالبيئة وتستنزف الموارد دون مراعاة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين المحليين وتغيبهم وتستثينهم.
الميثاق الأخلاقي واللجان: هل ستتحقق الوعود؟
في ظل هذا الواقع المعيش، تم الإعلان عن اعتماد ميثاق أخلاقي من طرف الكونفدرالية المغربية لأرباب مراكب ومصانع صيد السمك السطحي (COMAIP)، الذي يهدف إلى حماية الموارد البحرية وتعزيز الممارسات المستدامة؛ إلا أن التساؤلات تبقى قائمة حول مدى فعالية هذا الميثاق في تحسين الأوضاع المحلية، خاصة في ظل الاستمرار في استنزاف هذه الموارد دون استفادة حقيقية للمجتمع المحلي.
تم أيضًا الإعلان عن تشكيل عدة لجان لدراسة وضعية القطاع، بما في ذلك لجنة لأخلاقيات المهنة، ولجنة استراتيجية لدراسة الأبعاد العلمية والاقتصادية والبيئية، لكن يبقى الأمل ضعيفًا في أن تكون هذه الإجراءات كافية لإحداث تغيير جوهري في حياة السكان.
القلق البيئي: تحذيرات (INRH)
من جانب آخر، يواصل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) تحذيراته بشأن تدهور مخزون السردين في السواحل المغربية، خصوصًا في المنطقة الممتدة شمال بوجدور، والتي تعد جزءًا من المصايد الغنية، حيث أصدرت توصيات بتمديد فترة الراحة البيولوجية لمخزون السردين، بالإضافة إلى تعديل سياسات الصيد لتحسين استدامة هذه الموارد، لكن هل ستؤدي هذه التوصيات إلى تغيير حقيقي على أرض الواقع؟ خصوصًا في ظل استمرار الفجوة بين منافع الثروات البحرية ومساهمة القطاع في تحسين وضعية السكان المحليين بالأقاليم الجنوبية.
الحاصول
إن التحديات التي تواجهها ساكنة الداخلة لا تقتصر على تهديدات البيئة البحرية فحسب، بل تتعداها إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تحتاج إلى حلول فورية. لن يكون الميثاق الأخلاقي أو تشكيل اللجان كافيًا ما لم يتم إحداث تغيير جذري في طريقة استغلال الموارد البحرية وإشراك الساكنة غي عائداتها بشكل عادل، فالمستقبل المستدام للداخلة ليس مرهونًا فقط بحماية البحر، بل أيضًا بتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية لكل من يعيش في هذه الأرض الغنية بالموارد.
